السيد حسن الصدر
344
الشيعة وفنون الإسلام
--> - وقد علمتم موضعي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا وليد ، يضمّني إلى صدره ويكنفني في فراشه ويمسّني جسده ويشمّني عرفه ، وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن اللّه به صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره ، ولقد كنت أتبعه اتّباع الفصيل أثر امّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحرّاء فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة ، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزول الوحي عليه ، فقلت : يا رسول اللّه ، ما هذه الرنّة ؟ فقال : هذا الشيطان آيس من عبادته ، إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى ، إلّا أنّك لست بنبيّ ، ولكنّك وزير ، وإنّك لعلى خير . . . الخطبة رقم 192 . شرح الخطبة : لقد ذكر عليه السّلام في هذه العبارات مناقبه الجميلة ومفاخره الجليلة وشرح لتربية الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم له من أوّل عمره وإعداده بتلك التربية للكمالات النفسانية من العلوم والأخلاق الفاضلة ، وعدّ أحوالهم التي هي وجوه ذلك الاستعداد وأسبابه : الأولى : القرابة ، وأشار إليها بقوله : « وقد علمتم موضعي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالقرابة القريبة » لأن أبويهما عبد اللّه وأبا طالب أخوان لأب وامّ دون غيرهما من بني عبد المطلب فهما ابنا عمّ ، مضافا إلى علاقة المصاهرة وكونه عليه السّلام زوج ابنته فاطمة عليها السّلام . الثانية : منزلته الخصيصة به ، وأشار إليها بقوله : « والمنزلة الخصيصة » أي الخاصّة والمخصوصة بي ، وشرحها عليه السّلام بقوله : « وضعني في حجره وربّاني وأنا ولد » أي طفل صغير « يضمّني إلى صدره ويكنفني » أي يضمّني إلى كنفه وحضنه « في فراشه ويمسّني جسده ويشمّني عرفه » أي ريحه الطيب ، « وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه » وهذا كلّه إشارة إلى شدّة اهتمامه وقيامه بأمره ، ويوضّحه ما رواه الطبري في تاريخه عن مجاهد قال : كان من نعمة اللّه عزّ وجلّ على عليّ بن أبي طالب ما صنع اللّه له وأراد به من الخير أنّ قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للعباس عمّه وكان من أيسر بني هاشم : يا عباس ، إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفّف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفلهما عنه ، قال العباس : نعم ، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب ، فقالا : إنّا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتى -